ظروف وملابسات وتداعيات إعفاء الشيخ الشثري
أصدرت حركة الإصلاح بيانا تحليليا لظروف وملابسات ما حصل للشيخ الشثري.
وأشارت الحركة إلى أن إقالة الشيخ حدث مهم وله تداعيات خطيرة على المستوى السياسي وعلى المستوى الشعبي.
وناقشت الحركة في البيان حقيقة كل طرف له علاقة بالحدث بدءا بالشيخ الشثري نفسه وهيئة كبار العلماء ومرورا بالذين يسمون إسلاميين وليبراليين وانتهاء بآل سعود وأشارت إلى تحولات الموازين التي كشفها هذا الحدث
ظروف وملابسات وتداعيات
إعفاء الشيخ الشثري
إعفاء الشيخ الشثري من هيئة كبار العلماء سبقه ملابسات وظروف، وفي نظرنا سوف يتبعه تداعيات هامة ربما يكون لها أثر على مستقبل البلد. ونعتقد أن فهم هذه الملابسات والظروف ووضع القضية في إطارها المناسب يساعد في استشراف التداعيات المحتملة بل وترشيدها وتوجيهها والاستفادة منها.
الترتيب الزمني والموضوعي للاحداث
بدأت الملابسات بانطلاق جامعة الملك عبد الله وتصريح بعض المسؤولين فيها بأنها جامعة قائمة على نظام يسمح بالاختلاط.
تلا ذلك ردود أفعال من قبل شريحة كبيرة من الكتاب في الانترنت من المحسوبين على التيارات الإسلامية الموالية للدولة والتي تعتبر الدولة معهم ضد العلمانيين والليبراليين. وتفاعل بعض الكتاب الليبراليين حول هذا الموضوع بكتابات في الصحف تدعم الاختلاط وترد على كتاب الانترنت.
في وسط هذا الجدل ظهر عضو هيئة كبار العلماء الشيخ سعد الشثري في برنامج "الجواب الكافي" في قناة المجد وهو عادة ما يشارك فيه بشكل شبه منتظم وسؤل عن الاختلاط في الجامعة من قبل سائل متصل بالهاتف فأجاب إجابة حذرة قال فيها إن كان هناك أي مخالفات سواء كانت اختلاط او مواد تدرس مخالفة للشرع فإن ولي الأمر لا يقبل وأن في البلد لجانا شرعية تراجع ما يدرس مما يخالف الشرع ثم قال إنه يقول هذا الكلام محبة لولي الأمر.
في اليوم التالي كانت افتتاحية صحيفة الوطن عبارة عن هجوم على الشيخ الشثري وكان وجه الانتقاد بأنه لا يحق له انتقاد الحاكم ما دام الحاكم هو الذي عينه. كما إنه لا يحق له نصيحة الحاكم علنا لأن النصيحة الشرعية لا تجوز إلا بالسر.
وفي نفس اليوم ظهرت مشاركات في موقع ليبرالي على الانترنت تتحدث عن حملة في كل الصحافة في اليوم التالي في هجوم منظم على الشيخ الشثري.
وفعلا، في اليوم التالي شنت أكثر من عشر صحف حملة مليئة بالانتقاد الصريح للشيخ الشثري وكان معظم النقد في نفس سياق نقد صحيفة الوطن. صحف أخرى رفضت فكرة اللجان التي تراجع البحوث العلمية وصحف أخرى هاجمت قناة المجد وانتقدت ولماذا تجاهل لاشيخ الشثري أجزاء مهمة من كلام السائل الذي انتقد مهاجمة العلماء للمجاهدين.
ورغم أن الشيخ الشثري كتب رسالة لصحيفة الوطن يدعي أنهم حرفوا كلامه وطلب من الصحيفة نشر النص الدقيق ألا أن الصحيفة بعد أن نشرت رسالته كاملة ونشرت النص أصرت بأن النص يؤكد موقف الصحيفة بل ربما أشد مما انتقدته الصحيفة.
وتتابعت المقالات في الصحف على مدى عدة أيام في هجوم متعدد الجوانب على الشيخ الشثري إلى أن توقفت فجأة وذلك بسبب أمر حكومي سري بإيقاف الحملة التزمت فيه الصحف فورا.
بعد ذلك تناقلت مواقع الانترنت أن الشيخ استقال وقبلت استقالته وأكدت ذلك بعض الصحف ولم يصدر شي رسمي من الحكومة إلى أن جاء مساء الأحد حيث أعلن رسميا إعفاء الشيخ الشثري ولم يشر إلى استقالة ولم يذكر أنه بناء على طلبه.
الجهات التي تعاملت مع الحدث وملابسات الحدث
تعامل مع الحدث عدة جهات من المفيد تحليل دور كل جهة وحقيقة موقعها في الحراك السياسي والاجتماعي في البلد.
الجهة الأولى: الشيخ الشثري بصفته عضوا في هيئة كبار العلماء
لا يختلف الشيخ الشثري في نظرنا عن أي شيخ آخر في هيئة كبار العلماء في النواحي التي تخص تأهيله لهذه الهيئة. فآل سعود لا يختارون لهيئة كبار العلماء إلا من يضمنون التزامه بالتعامل مع قضايا الدين والفتوى بالطريقة التي يريدونها. وتكاد تكون اختيارات آل سعود دائما صحيحة ولا نعرف من الاستثناءات إلا الشيخ بن قعود رحمه الله الذي لم تجدد عضويته في الهيئة بعد اعتراضه على بعض المنكرات في مجلس للملك فهد. ولا يكفي في مواصفات عضو هيئة كبار العلماء أن يتجنب القضايا الحساسة سياسيا بل عليه أن يكون عارفا برغبة آل سعود ويتعامل مع أي سؤال أو فتوى أو قضية بالطريقة التي يريدون.
والشيخ سعد الشثري ملتزم بهذا النهج خاصة وأنه تدرب على يد والده المشهور باسم أبي حبيب والذي تكاد تكون طريقته مع آل سعود أقرب لطريقة الأخوياء من المشايخ، ولذلك لم يصدر عن الشيخ سعد الشثري في الماضي ما يشير إلى أي نزعة باتجاه مخالفة رغبات آل سعود، ولم يكن من الوارد أن يصدر منه شيء يخالف توجهاتهم. فلماذا صدر منه الآن ما اغضب الملك وتسبب في إقالته؟
التفسير هو في تأمل نص الكلام الذي قاله وقراءة طريقة تفكيره من خلال معرفة شخصيته، حيث يخرج المتأمل باستنتاج أن الشيخ الشثري ليس أبدا في سياق المخالفة للملك ولا حتى الاقتراب من الخطوط الحمر التي تدرب على عدم الاقتراب منها.
وقراءة النص مع استحضار شخصية وطريقة تفكير الشيخ تدل على أنه اعتقد أن هذا الكلام هو في صميم ما يعجب آل سعود وبالطريقة التي تعجب آل سعود. فالمسكين يعتقد أن وصف آل سعود بأنهم ملتزمون بالإسلام ويمنعون ما يخالف الدين مما يسعدهم ويرضيهم. كما يعتقد المسكين أن الإشارة إلى حرص آل سعود على ضبط مؤسساتها بلجان شرعية هو كذلك مما يعجب آل سعود. وتأكيدا لرغبته في إرضاء آل سعود لم يجعل النصيحة التي ذكرها التزاما شرعيا بأداء النصيحة بل جعل مبررها حبه للملك عبد الله، وهي سقطة لا يفسرها إلا هذا الاستحضار لرقابة آل سعود أكثر من استحضار رقابة الله سبحانه. وباختصار ظن الشيخ الشثري أن الكلام الذي قاله هو في سياق مدح آل سعود وما يرضيهم ولو كان لديه أدنى شك أنه سيغضبهم لما قاله ولديه مخارج كثيرة في التخلص منه.
ويؤكد هذا الكلام رسالته التي أرسلها لصحيفة الوطن وإصراره على أن النص الدقيق غير المحرف من كلامه لصالحه لأن هذه قناعاته الحقيقية أن كلامه يعجب الملك ولا يغضبه. كما يؤكده ثنائه المتكلف على الجامعة وتأكيده أن ولي الأمر أعرف بالمصلحة بما يعني أن ولي الأمر هو الذي يقرر إن كان الاختلاط هوالأصلح.
ولذلك نقول للذين "طاورا في العجة" من المتدينين واثنوا ثناء مبالغا فيه على شجاعة الشيخ وقوله الحق حتى شبهه أحدهم بالعز بن عبد السلام، نقول، على رسلكم، فالشيخ في ظننا لم يخرج أبدا عن حدود "الإسلام السعودي" الذي درج عليه كل علماء آل سعود وكل ما حصل هو حسابات خاطئة في تقدير الألفاظ التي تعجب آل سعود.
أما القضية الأهم فهي هذه السرعة بإعفاء الشيخ من منصبه والطريقة التي تم فيها الأعفاء. فمن المعلوم أن آل سعود لديهم قدرة على امتصاص هذا النوع من المشاكل وتركها إلى أن تبرد ثم التعامل مع الشخص المعني بالقضية. وكمثال سابق على ذلك حين أحرج الشيخ اللحيدان الملك بفتواه حول الفضائيات انتظر آل سعود عدة أشهر ثم طرحت إقالة اللحيدان من منصبه وكأنها جزء من تغييرات شاملة خففت القرار كثيرا ومنعت أن يكون له تداعيات مباشرة.
لكن سماح آل سعود بهذه الحملة ضد الشيخ بل ربما توجيه الحملة ضده -كما دل على ذلك أحد المواقع التي يديرها الليبراليون- ثم إعفاء الشيخ بقرار ملكي والسرعة في اتخاذ القرار وإظهار القرار وكأنه استجابة لهذه الحملة يمثل سابقة خطيرة في تصرف آل سعود.
وإقالة عضو في أكبر هيئة شرعية في البلد وباستخدام تعبير إعفاء وكأنه طرد من الهيئة ثم بهذه السرعة وبهذا السياق لا شك سيؤثر بقوة على التوازنات التي لها علاقة بالشرائح الاجتماعية المختلفة. ومحصلة هذا الأثر ستكون انطباعا سريعا عند من لم يتقنع بعد بأن الدين ألعوبة بيد آل سعود وأن العلماء الكبار موظفون تافهون يمكن ركلهم بكل سهولة ولا قدسية ولا هيبة لهم عند آل سعود.
الجدير بالذكر أن أحدا من أعضاء هيئة كبار العلماء لم يتحرك لنصرة الشيخ أو الدفاع عنه وخاصة المفتي رغم أن المفتي له موقف قوي من الاختلاط سابقا. وحتى ما نسب للشيخ الفوزان لم يتجاوز كونه وصف الملك بأنه يرضيه هذا التصرف ويبدو أن تصوره لموقف الملك كان خطأ. وبناء على أن الملك لم يعجبه هذا التصرف فحسب موقف الفوزان فقطعا سيكون الشثري أخطأ.
الجهة الثانية: الإسلاميون المؤيدون للدولة ممن يعتبرون العلماء الرسميين مرجعيتهم
رغم موجة الوعي التي اجتاحت التيارات الإسلامية بطبيعة النظام السعودي كنظام خائن للدين متآمر مع أعدائه منافق في طريقة التعامل مع قضاياه ملبس للحق بالباطل، والوعي بأن هذا النظام محاط بمجموعة من المدلسين والمزورين من العلماء الذين يخلطون الحق بالباطل، رغم ذلك كله ألا أن شريحة من هذه التيارات لا تزال تدعي أن النظام -وإن كان لديه تقصير- مجتهد في خدمة الإسلام ملتزم باستشارة واتباع العلماء.
وقد يكون بين هؤلاء عدد قليل من الجهلة الذي اتخذوا هذا الموقف عن قلة علم وغفلة من المعذورين بذلك بسبب محدودية عقليتهم وقلة إمكاناتهم في الفهم والعلم خاصة وأنهم قد أُخذوا بامتلاء الساحة والإعلام والمكتبات والمساجد بالعلماء المطبلين. لكن الغالبية منهم وخاصة بعض طلبة العلم والكتاب في الانترت تبنوا هذا الموقف وهم يعلمون جيدا خيانة آل سعود للدين وتآمرهم مع الأعداء وتلبيسهم الحق بالباطل وممارسة الكفر البواح وحربهم على المصلحين وتفشي الظلم وأكل أموال الأمة ونشر الفساد وغيره مما يجعل آل سعود في أعينهم أقبح عدو للإسلام وآخر من يفكر المسلم الصادق الملتزم بترك معاداته فضلا عن موالاته وطاعته والدفاع عنه.
وحتى تبرر هذه المجموعة حماسها لطاعة مجرم محارب للدين مثل آل سعود فإنها تتحاشى الحديث عن أي من هذه المواضيع وتركز على قضايا معينة وجدت فيها ضالتها مثل علاقة الرجل بالمرأة ومثل واقع هيئات الأمر بالمعروف ومثل شكلية المحاكم التي تسمى شرعية في بلادنا.
ومن أجل أن تبريء هذه الشريحة آل سعود من أي تقصير فإنها أولا تقيس الأداء الديني فقط في القضايا المذكورة وثانيا تحمّل اي تقصير في هذه القضايا للبطانة أو للتيارات الليبرالية التي تتربص بالإسلام شرا.
وتبالغ هذه الشرائح في تزكية آل سعود فتتلقف التصريحات التي يطلقها الملك وبعض الأمراء في زعم التمسك بالدين وتحتج بها في أن المشكلة ليست في آل سعود بل إن آل سعود مع الدين ويدافعون عنه. ويطير هؤلاء فرحا إن كان التصريح فيه شيء من الهجوم على الليبراليين مثل تصريحات نايف ضد صحيفة الوطن وتصريحه ضد من يعين امرأة سكرتيرة. ويبقى هؤلاء يتغنون بهذه التصريحات دهرا مع أن نايف أعطاهم التصريحات وأعطى خصومهم العلمانيين السلطة.
ولذلك ترى هؤلاء لا يستطيع أحد منهم الكتابة في الصحف بينما رؤساء التحرير من خصومهم، وتراهم لا يستطيعون الظهور في الفضائيات التي تديرها الدولة بينما مدراء الفضائيات من خصومهم. ولا يقف أحد منهم ويقارن نفوذه بنفوذ تركي السديري وعبد الرحمن الراشد الذين يعلم أصحاب هذا التيار أنهم مثبتون من قبل نايف وأن كل آل سعود راضون عن أدائهم إلى درجة الابقاء عليهم في الاعلام كل هذه السنين الطويلة.
هذه المجموعة سبق أن دخلت في معارك سخيفة صنعها آل سعود مثل معركة بطاقة الأحوال ومحلات الملابس النسائية وغيرها من المعارك التي تعاملوا معها وكأنها معارك الإسلام الكبرى. وكان آل سعود يتركون المعركة تدور إلى أن يتحقق ما يريدون ثم يتخذون موقفا فيسكت كلا الطرفين راضيين بحكم ولي الأمر رغم أن الطرف الإسلامي تعامل مع المعركة كما لو كانت خسارتها تعني انهيار الدين كله.
وحتى معركة الاختلاط في جامعة الملك عبد الله كان من الممكن أن تحسم بهدوء لصالح العلمانيين والليبراليين وتلتزم هذه الشريحة الإسلامية الصمت لولا تعقيد القضية بإقالة شيخ ينتمي لأعلى هيئة دينية في البلاد. وركل عضو من الهيئة بهذه الطريقة المهينة والسريعة وكأنها استجابة لضغط الليبراليين سيقفل الطريق أمام هذه الشريحة الإسلامية في اختلاق أعذار وحجج تبرر تصرف آل سعود الذين اتخذوا موقفا صريحا وعالي الصوت ضدهم.
الجهة الثالثة: الذين يسمون ليبراليين
من غرائب بلاد الحرمين أن الليبرالية الحقيقية المتعارف عليها وهي المطالبة بالحرية الشاملة على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني غير موجودة. كان يتبناها البعض وانقرضوا حين لم يجدوا لهم موطيء قدم لا مع المجتمع ولا مع آل سعود.
الليبرالية التي يتم الترويج لها في بلاد الحرمين هي
أولا ليبرالية انتقائية فيما يخص التحرر من الدين والقيم الاجتماعية فقط وليس لها علاقة بالمفهوم الحقيقي لليبرالية وغالب المنتمين لها لا يحبون المباديء والقيم ولا يعرفون التضحية والفداء وهمهم الانتفاع المادي والشهوات.
وثانيا ليبرالية تدافع عن الاستبداد السياسي وغياب الشفافية والمحاسبة وتروج لآل سعود ويتسابق أساطينها في مدحهم والثناء على سياستهم العتيدة
وثالثا ليبرالية تعمل علنا من داخل النظام في الديوان الملكي وإمارات المناطق والإعلام والمؤسسات الثقافية والمؤسسات الحساسة الأخرى مثل وزارة المالية أو من خلال الاقتراب المعروف في حاشية الكثير من الأمراء.
هذه المجموعة نستطيع أن نبرئهم سياسيا ونقول إنه ليس لهم تطلع سياسي بمعنى أن آمالهم لا ترتقي إلى القضاء على آل سعود والحلول محلهم لأنهم مقتنعون أنهم أتفه وأضعف من ذلك، لكننا نثبت وبثقة أن لديهم تطلع حقيقي بأن يزيلوا أكبر كمية من الثوابت الدينية والقيم الإسلامية والعربية من المجتمع.
هؤلاء كان يجمعهم مع آل سعود عدم وجود التزام إسلامي على المستوى الشخصي ويجمعهم كذلك الرغبة في الاستمتاع بالشهوات، ولذلك فإنهم دائما قريبون نفسيا وعمليا لآل سعود ولهذا مكنوا من كثير من المناصب منذ زمن بعيد. لكن بعد أحداث الكويت ثم أخيرا بعد أحداث سبتمبر وحرص آل سعود على تبرئة أنفسهم من تهمة التطرف الديني فقد وجد آل سعود أنفسهم بحاجة أكثر لهذه الشريحة لأن لديها القدرة على أن توفر لآل سعود براءة من هذه التهمة. ولهذا تحول التعاون بين آل سعود وهذه الشريحة من مجرد انسجام أخلاقي ونفسي إلى استراتيجية عميقة وتخطيط داخلي ينقل بلاد الحرمين من وضع معين في علاقته بالدين إلى وضع آخر ترضى عنه أمريكا ودول الغرب كلها.
هذه المجموعة لها منصتان تؤدي فيها دورها،
المنصة الأولى المواقع الفاعلة في الديوان الملكي وإمارات المناطق والإعلام والثقافة والاستشارات الحكومية والتي ما برحوا يستخدمونها بتفاهم كامل مع آل سعود
والمنصة الثانية هي اللقاءات المستمرة لهم مع الأمراء خاصة على موائد الحرام والتي يصل فيها التفاهم النفسي إلى الحد الأقصى
وبعد استلام عبد الله بن عبد العزيز للحكم حصلت هذه المجموعة على نفوذ مضاعف لأن عبد الله بن عبد العزيز يكاد يكون تحت السلطة الكاملة لإحدى الشخصيات الهامة في هذه الشريحة وهو خالد التويجري. وأعان على ذلك محدودية عقلية عبد الله بن عبد العزيز فأصبح من السهولة لهذه الفئة ان تجمل كثيرا من المشاريع التي تريدها في ذهن عبد الله وترشح من تشاء من الشخصيات للمناصب الداخلية والخارجية وتشجعه على ما تشاء من القرارات.
ورغم قرب هذه الشريحة من عبد الله وصدور تصريحات من نايف يفهم منها أنه ضدهم ألا ان كل كبار آل سعود على وفاق تام مع هذه الشريحة ويستحيل أن يثبّت أحد من الليبراليين في منصب إعلامي أوسياسي دون رضا كل آل سعود. بل إن سلمان ونايف لهم علاقات ببعض المحسوبين على هذه الشريحة أقوى من علاقات عبد الله. وسلمان بن عبد العزيز هو أقوى من تبنى تمكين شخصيات مثل عبد الرحمن الراشد وعثمان العمير وغيرهم من أساطين العلمنة في شركته الإعلامية المعروفة التي تعاقب على إدارتها أبنائه.
أما نايف فهو من أقرب الناس لتركي السديري وأكثرهم دفاعا عنه وتمكينا له في صحيفة الرياض، ورغم إلغاء المجلس الأعلى للإعلام فإن كل رؤساء التحرير بمن فيهم رئيس تحرير الوطن لا يمكن تعيينهم إلا بموافقة نايف، وغالبا ما يكون هوالذي يختارهم بناء على توصية المباحث. ولذلك فحين يهاجم نايف صحيفة الوطن فهو أول من أقر تعيين رئيس تحريرها وحين يتحدث عن زوار السفارات فهو أول من مكن لهم وحين يتحدث عن الشخص الذي يرضى عن زوجته كسكرتيره فإنه ينسى أن الناس على علم بحقيقته وفضائح بيته التي تتحدث عنها صحف أوربا.
لكن آل سعود رغم قربهم من هذه الشريحة وتمكينها من الناحية العملية التطبيقية فقد كانوا تقليديا حريصين على أن يظهروا خارجيا بمظهر المحترمين للعلماء والدين ويهونوا كثيرا من علاقتهم بهذه الشريحة. ولم يكن لهم مشكلة مع هذه الشريحة أبدا لأنها شريحة مطيعة للنظام مستعدة للتوقف عن أي نشاط متى ما أراد آل سعود. ولذلك ترى المواضيع التي تناقش في الصحافة بحماس تتوقف فجأة بسبب أمر شفوي صدر من فلان أو فلان.
لكن في هذه المرة بدا وكأن آل سعود تحركوا بقوة لصالح هذه المجموعة، فأولا سمحوا لهم بهجوم كاسح على شخصية تمثل أعلى هيئة دينية في البلاد، وثانيا سمحوا لهم باستخدام اسلوب التهكم والتجريم، ثم تجاوبوا مع مطالبهم وأقالوا هذه الشخصية من منصبها. ومن ناحية السلطة والموازنات فإن آل سعود ليسوا بحاجة لمراعاة الليبراليين فهذه الشريحة نفعية مطيعة مستعدة لإيقاف أي نشاط عند اللزوم بأمر شفوي بسيط .
ولهذا فإن التصرف بهذا الأسلوب من قبل آل سعود سيعطي انطباعا بأن الليبراليين قد فرضوا نفوذهم وهو أمر مرعب لكل شرائح الاسلاميين وليس الشريحة المذكورة أعلاه فحسب.
الجهة الرابعة آل سعود
الحديث عن آل سعود في هذا السياق سيكون تحصيل حاصل لأن كل ما يخصهم ذكر ضمنا أعلاه لكن مما ينبغي التأكيد عليه هو النقاط التالية
أولا: ليس بين ال سعود خلاف في الموقف من الاسلاميين والليبراليين لكن ربما اختلفوا في طريقة الموازنة وإدارة اللعبة عند اندلاع أي معركة بين الفريقين، وغالبا ما يستقرون على مستوى معين من التدخلات بالطريقة التقليدية لآل سعود.
ثانيا: إن عدم وجود خلاف من هذه الشرائح لا يعني عدم رغبة أحد الأطراف في آل سعود بتشويه صورة الطرف الآخر لتحقيق مكاسب تنفعه في المراحل القادمة لصراعات السلطة. وهناك دلائل قوية على أن نايف وجه قصدا عددا كبيرا من الكتاب من خلال جهازة المخابراتي لشن هذه الحملة على الشيخ الشثري ثم أوعز للجمهور بأن هذه الحملة من قبل التيار الذي يدعمه الملك عبد الله.
ثالثا: لا يختلف آل سعود أبدا في تحديد دور العلماء الرسميين ولذلك فأنهم متفقون أن سعد الشثري رغم اجتهاده فقد تجاوز الخط الأحمر، وإنما يختلفون في طريقة التعامل مع مثل هذا التجاوز. وفي الأحوال العادية التي فيها درجة عالية من التفاهم بين آل سعود ينصح كل جناح بالشكل الأمثل للتعامل مع المشكلة. لكن في القضية الأخيرة توفر لدى الحركة ما يفيد بأن نايف بن عبد العزيز دفع عبد الله للاستعجال في إعفاء الشيخ الشثري حتى ينسب هذا التصرف لعبد الله فيتسبب في خسارة له تفتح المجال لتفوق نايف عند اندلاع أي صراع حقيقي على السلطة بعد وفاة سلطان.
تداعيات الحدث
هذه الظروف والملابسات التي ذكرت أعلاه تبين أن الحدث يعتبر كبيرا بعدة مقاييس.
أولا: لأنه المرة الأولى التي يعفى فيها شيخ من هيئة كبار العلماء بسبب موقف فكري شرعي، أو هكذا بدا للناس.
ثانيا: لأنه سبق الإقالة حملة قادها المناوئون للتيارات الإسلامية الذين يسمون بالليبراليين على صفحات الصحف الرسمية بعنى أنها تمت بإقرار كامل من الدولة
ثالثا: لأن الإقالة تمت بطريقة سريعة ومهينة حيث رفض آل سعود أن يعتبروها استقالة بل وضعوها على هيئة إعفاء وكأنها طرد.
رابعا: فسر القرار وكأنه وقوف آل سعود في صف الليبراليين وكأنهم انتصروا لهم بغض النظر عن من هوالذي اتخذ القرار من داخل آل سعود
أمام هذا الفهم الجماهيري للقضية فإننا أن تكون التداعيات على الشكل التالي:
1) إزالة هيبة هيئة كبار العلماء وثقلها الاجتماعي والشرعي في البلد، ومن ثم تقليل قدرتها على تأمين الغطاء الشرعي للدولة وتطويع الناس للحاكم. فكيف يمكن لهيئة أن تكون لها مصداقية وأعضائها لا يستطيعون حتى إسداء النصح المؤدب للحاكم ولم يستطيعوا الفزعة لصاحبهم ولو بكلمة بسيطة.
2) المزيد من انحسار الصبغة الدينية للدولة بعد أن تعامل آل سعود بهذه الطريقة مع شخص هوعضو هيئة كبار العلماء خاصة بعد ان جاء ذلك إثر قضية أصلا اغضبت اصحاب العواطف الدينية وهي قضية الاختلاط وهجوم ليبرالي ضد الشيخ.
3) تخلي جزء كبير من الشريحة الاسلامية الموالية للدولة عن ولائها وخاصة الذين لديهم بقية غيرة على الدين ممن يوالون بشكل براغماتي ظانين أن هذه الموالاة تعطيهم مساحة أوسع في التحرك والدعوة. وهم في هذه الحادثة يكتشفون أن من هوأقوى منهم في أعلى هيئة شرعية في الدولة ركله الملك ركلا وبطريقة مهينة وكأنه يرضي الليبراليين فكيف بهم هم.
4) في سياق الصراع داخل العائلة الحاكمة لا يستبعد أن تفتعل معركة جديدة يُدفع فيها الملك لموقف متطرف لصالح الليبرالين في سياق تجريده من شعبيته أمام التيارات المشحونة بالعاطفة الدينية.
ونحن في الحركة مسرورون بهذه التطورات لأنها كشفت الدولة وكشفت موقفها الحقيقي. في المقابل لا نعتقد أن الشعب خسر المزيد دينيا لأن الفساد والتخريب الحقيقي أكبر بكثير من اختلاط في الجامعة. كما لا نعتقد أن الشعب خسر بسبب إقالة عضو هيئة كبار العلماء مداهنة لليبراليين لأننا
أولا نعلم حقيقة هيئة كبار العلماء بالصوف الذي ذكر أعلاه فلن تخسر الأمة شيئا
ثانيا نعم حقيقة علاقة الليبراليين بال سعود المحالفين لهم سابقا ولاحقا
ثالثا يفرحنا أن يقتنع المزيد من الاسلاميين بعدم شرعية هذه الدولة
رابعا يفرحنا ان يتآمر بعض آل سعود على بعضهم عسى أن يعجل ذلك بتقويضهم جميعا
نسأل الله أن يجعل نتيجة هذا الأمر خيرا للأمة وأن ينور بصيرة من لم تتنور بصيرته بعد من إخواننا المصنفين إسلاميين وأن يعجل بزوال هذا النظام الظالم المنافق.
